|
|
|||
|
بدر سعود الجري ... الإدارة بالحب / بقلم : محمد حسن رضوان سالم
|
|||
|
|
جاء التقاعد الاختياري ليغيب عن ساحة مدرستنا شمساً كانت تشرق بالحب والتقوى والنور.... سنوات طوال مرت على مدرسة شملان بن علي المتوسطة للبنين تحت قيادة مديرها السابق أ. بدر سعود الجري , كنا نشعر جميعنا نحن المعلمين أننا كل صباح نغادر بيتنا الثاني لنذهب لعملنا حيث بيتنا الأول . سل كل من تعامل مع هذا الرجل الفريد سيقول لك على الفور : أبو ناصر ... سلامٌ عليك يا أيها الرجل النادر . |
||
|
جئت الكويت غريباً عنها منذ ثلاثة عشر عاماً , فاستقبلنا دفء هذا الرجل . هل من الممكن أن يكون المدير في عمله أباً حنوناً ومساعداً مخلصاً ودافعاً لك ببساطة أن تقدم أقصى ما عندك وتتمنى لو كان عندك المزيد لتبذله . هل من الممكن أن يكون المدير في مدرسته والداً للجميع باعثاً للطمأنينة في نفوسهم , متسامحاً لدرجة تخجلك من تقصيرك , مشجعاً لدرجة الفضيلة , الخير منه مأمول والشر منه مأمون . حين يمشي وسط معلمي المدرسة تشعر أنك أمام عائلة واحدة متعددة الجنسيات تجمعت في صباح يوم العيد . هل من الممكن أن تكون القيادة بهذه البساطة , بهذه السلاسة بلا تعقيدات ولا تعسفات . كان يصر الرجل في كل أمر على أن الحب هو المفتاح السحري لحل كل المشاكل . مع هذا الرجل أبصرت معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما كان الرفق في شيء إلا زانه " هل كنا نشعر ببرودة الشتاء في مدرستنا شملان بن علي ؟ كان الحب في مدرستنا مدفأة يستدفئ منها الجميع , وكيف يشعر بالبرد في الشتاء من صنع من قلبه مدفأة ؟ كان إذا طلب منه أحد طلباً له عند زميل آخر , يقول له :أخوك فلان يريد منك كذا .. لم تكن هناك " شللية " لم يكن هناك شخص أثير لدى الإدارة وشخص آخر طريد , كان يتعامل مع الجميع ككبير العائلة حين يستقبل ضيوفه فلا يكاد يشعر أحد أنه منسي من ترحاب أو إكرام . كان بالحب يحاول أن يخرج من كل إنسان أفضل ما لديه من عطاء للعمل وتعامل بلطف المسلم وكرم أخلاقه . لم أسمعه يسم أحداً بالسوء بل لسان حاله يقول : هناك في خزانتك دائماً ما هو أفضل . كان يحث كل من حوله على مراقبة الله تعالى وحده في عمله . كان يهيج دائماً بكلماته الشعور بالمسؤولية أمام الله عن أمانة تعليم جيل جديد من أجيال المسلمين , كان يقول هؤلاء الطلبة هم أبناؤك هم أمانة أمنك الله إياها , أبذل معهم كل مستطاع , اغرس فيهم علماً نافعاً , مكارماً للأخلاق , كن قدوة لطلابك , ابدأ أولاً بإصلاح نفسك تصلح الدنيا من حولك , كن صادقاً مع الله في عطائك لطلابك ُيبارك لك في كل شيء صحتك مالك زوجتك أبنائك , وكان سلوك الرجل مع الجميع انعكاسا واضحاً صافياً نقياً لكلماته , فكان أثر الكلمات فيهم علواً في الجودة . كان الحب والتواصل هما كلمتا السر في مكانة هذا الرجل في قلوب من حوله . يواسي المهموم , أول من يزور المريض , في المسجد لصلاة العصر ثم الجنازة على روح فقيد قريب أو بعيد لأسرته التربوية , في الفرح يبارك ويهنئ , وفي الملمات يؤازر ويساند ويساعد , يطمئن علي أحوال رعيته , صحتهم , أبنائهم , أحوالهم هنا بالكويت أو في بلادهم . لم يكن غريباً أن تراه يساعد عاملاً على رفع أغراض ثقلت عليه . لم يكن عجيباً أن تراه مشمراً عن ساعديه يحاول إصلاح صنبور ماء تالف في مدرسته . كان طبيعياً جداً أن تراه حين ينطلق أذان الظهر يفرش سجاجيد الصلاة بنفسه ويدعو المعلمين والطلاب والإداريين حي على الصلاة حي على الفلاح ... كان لا يمل أبداً السعادة عندما يجد مدرسته تميزت في مسابقة أو حازت درعاً أو استقبلت وفداً أو ُأقيم فيها لقاء لتوجيه مع معلمين أو أن أحد معلميه تزوج أو أنجب أو أكمل دراسته أو نال ترقية فبادله الكثيرون حباً بحب وعرفاناً بوفاء. وما أكثر ما تميزت بالحب والنجاح مدرسته . كان دوماً يشجع على العمل بروح الفريق , كانت الشورى هي طريق القرارات لديه . كان الرجل يجيد اختيار سفرائه لمتابعة المؤتمرات العلمية والتربوية ويحرص على أن يتيح الفرصة لسفيره في كل مرة أن يعطي صورة واضحة عما حدث في المؤتمر من فكر وعلم أمام الاجتماع الأسبوعي لمجلس إدارة المدرسة . كان الرجل يؤمن بأهمية استخدام التكنولوجيا في التعليم فجهز بالجهود الذاتية لمدرسته غرفة عروض ممتازة بل وحرص على تجهيز كل قسم من أقسام المدرسة ومختبراتها وورشها بشاشات عرض بلازما كبيرة وجهاز كمبيوتر وحث معلميه على توظيف تلك التقنيات الحديثة في عرض الدروس بطرق غير تقليدية واستخدام التعليم التفاعلي والتطوير المهني الذاتي وتبادل الخبرات بين معلمي المدرسة الواحدة . هل من المعقول أن يظل رجلا مديراً لمدرسة طوال 13 سنة كاملة ولا ينطق بكلمة جارحة لأحد من مرؤوسيه . ولا يتذكر له أحد إلا كل خير , ووجه بشوش , وتعامل راق , وحس مرهف . لقد كان أبو ناصر واجهة محترمة جداً وراقية للكويت وشعبها أمام كل معلم وافد . جذر مفعم بالحب والوعي ممتلئ بالأمل والتفاؤل في الغد والإنسان . ما أحوج مدارسنا لروح الحب وإدارة الحب إنه كماء السماء الطاهر حين ينهمر على رمال الصحراء فيعمل على تماسك تربتها وإزهار نباتها واستجلاء ربيعها البديع . يا كل مدير في دولة الكويت , إذا أردت من مرؤوسيك طاعتك للصالح العام , تعلم من " أبو ناصر" الإدارة بالحب . إن المحب لمن يحب مطيع . طبت يا أبو ناصر حيثما كنت , تحية حب وإجلال من قلوب كم أحبتك . |
|||
|
جميع الحقوق محفوظة لمدرسة شملان بن على المتوسطة بنين - الكويت 2011م |
|||